ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

394

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

التي يرمون إليها وصف الديار والآثار ، والحنين إلى الأهواء والأوطار ، والتشبيب بالنساء ، والطلب والاجتداء ، والمديح والهجاء ، وأما المترسلون فإنما يترسّلون في أمر سداد ثغر ، وإصلاح فساد ، أو تحريض على جهاد ، أو احتجاج على فئة ، أو مجادلة لمسألة ، أو دعاء إلى ألفة ، أو نهي عن فرقة ، أو تهنئة بعطية ، أو تعزية برزية ، أو ما شاكل ذلك . هذا ما انتهى إليه كلام أبي إسحاق في الفرق بين الترسل والشعر . ولقد عجبت من مثل ذلك الرجل الموصوف بذلاقة اللسان ، وبلاغة البيان ، كيف يصدر عنه مثل هذا القول الناكب عن الصواب الذي هو في باب ونصى النظر في باب ؟ اللهم غفرا ، وسأذكر ما عندي في ذلك ، لا إرادة للطعن عليه ، بل تحقيقا لمحل النزاع ، فأقول : أما قوله « إن الترسل هو ما وضح معناه والشعر ما غمض معناه » فإن هذه دعوى لا مستند لها ، بل الأحسن في الأمرين معا إنما هو الوضوح والبيان ، على أن إطلاق القول على هذا الوجه من غير تقييد لا يدل على الغرض الصحيح ، بل صواب القول في هذا أن يقال : كل كلام من منثور ومنظوم فينبغي أن تكون مفردات ألفاظه مفهومة ؛ لأنها إن لم تكن مفهومة فلا تكون فصيحة ، لكن إذا صارت مركبة نقلها التركيب عن تلك الحال في فهم معانيها ؛ فمن المركب منها ما يفهمه الخاصة والعامة ، ومنه ما لا يفهمه إلا الخاصة ، وتتفاوت درجات فهمه ، ويكفي من ذلك كتاب اللّه تعالى ، وتتفاوت درجات فهمه ، ويكفي من ذلك كتاب اللّه تعالى ؛ فإنه أفصح الكلام ، وقد خوطب به الناس كافة من خاص وعام ، ومع هذا فمنه ما يتسارع الفهم إلى معانيه ، ومنه يغمض فيعز فهمه ، والألفاظ المفردة ينبغي أن تكون مفهومة ، سواء كان الكلام نظما أو نثرا ، وإذا تركبت فلا يلزم فيها ذلك ، وقد تقدم في كتابي هذا أدلة كثيرة على هذا ؛ فتؤخذ من مواضعها . وأما الجواب الذي أجاب به في الدلالة على غموض الشعر ووضوح الكلام المنثور فليس ذلك بجواب ، وهب أن الشعر كان كل بيت منه قائما بذاته ، فلم كان مع ذلك غامضا ؟ وهب أن الكلام المنثور كان واحدا لا يتجزأ ، فلم كان مع ذلك